عصرنا هذا يحمل أخطر أنواع التلوث الأخلاقي: وسائل التواصل الاجتماعي التي غزت حياتنا بكل تفاصيلها. هذه الوسائل لم تعد مجرد أدوات ترفيه، بل أصبحت نوافذ مفتوحة على مصراعيها، يدخل من خلالها كل شيء: الحق والباطل، الحقيقة والوهم، القيم والانحلال.
بات بإمكاننا الآن
أن ننشر ما نريد في لحظة واحدة، أن نزرع الأكاذيب، ونشغل العقول بتفاهات. أصبحت
الشاشات الصغيرة بين أيدي الجميع، من الطفل الذي بالكاد يتعلم النطق إلى الشيخ
الذي يراقب بصمت انهيار منظومة الأخلاق.
ومن أخطر ما
أفرزته هذه الوسائل، تدميرها للعائلة، تلك اللبنة الأساسية في بناء المجتمع. لقد
سرقت الهواتف الذكية أوقاتنا وجعلتنا غرباء في منازلنا. كل فرد مشغول بشاشته، يجلس
بجوار الآخر دون أن يتبادل معه كلمة، وكأن الروابط الأسرية باتت عبئا ثقيلا. حتى
العلاقات العامة والمعاملات الإنسانية أصبحت سطحية ومجردة من العمق.
بات الناس
يتفاعلون عبر الأزرار أكثر من تفاعلهم في الواقع. أصبحت الابتسامات رموزا،
والمشاعر نصوصا، واللقاءات الحقيقية نادرة، وكأننا نعيش في عالم افتراضي خال من
الروح. ومع كل هذا، ينحسر الحياء وتنقطع روابط الحب والتراحم التي كانت تجمع
العائلة والمجتمع.
من خلال هذه
الوسائل، بات من السهل تسويق الانحراف باعتباره حرية، والترويج للشهوات تحت مظلة
التقدم والانفتاح. تعودت الأجيال الجديدة على مشاهد التفاخر بالترف، والترويج
للعلاقات السطحية، والانبهار بالصور البراقة التي تخفي وراءها فراغاروحيا وأخلاقيا.
إن لم ننتبه،
فإننا ماضون نحو مجتمعات خالية من القيم، تحكمها الغرائز بدلا من العقل، وتفتقد
فيها الإنسانية لمعناها الحقيقي.
السؤال: فهل نستطيع
أن نعيد بناء القيم في زمن تسوده "دولة الشاشات"؟

ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق