ملحقات تصميم

السبت، 28 ديسمبر 2024

الفــراغ


لطالما تأثرت مشاعر الإنسان بما يملأ حياته أو يتركها خالية. فالفراغ ليس مجرد غياب للأنشطة، بل مساحة خامدة تنبعث منها أعمق الصراعات النفسية وأكثرها تعقيدا. تكمن خطورته في كونه بيئة خصبة لتضخيم كل إحساس عابر وتحويله إلى عبء ثقيل.

إذا تأملنا شخصا يفتقر إلى شغل ذي معنى، نجد أن عقله ينزلق تلقائيا نحو الأفكار المثقلة بالقلق، والمشاعر المربكة، وربما الندم المدمر على أمور تافهة لم تكن لتأخذ حيزا من تفكيره لو كان منشغلا. الفراغ هنا لا يقتصر على كونه وقتا ضائعا، بل يتحول إلى قوة تضخم المشاعر الصغيرة لتصبح أزمات داخلية.

هذا التضخيم يمتد ليشمل كل شيء، تتحول العاطفة إلى عاصفة، والإرهاق البسيط إلى تعب مستنزف، والألم العابر إلى معاناة مستمرة. الفراغ أشبه بمكبر صوت داخلي يجعل الإنسان يستمع إلى صدى هواجسه المزعجة دون توقف. أما حين يكون الإنسان مشغولا، فإن مشاعره تضبط لتأخذ حجمها الطبيعي، فلا تطغى عليه ولا تتلاشى.

العمل، أو أي شكل من أشكال الانشغال المثمر، يخلق توازنا داخليا ويمنح الحياة إيقاعا منتظما. ليس لأنه يلهى الإنسان عن مشاعره، بل لأنه يضعها في إطارها الصحيح. المشغولون أكثر قدرة على إدارة عواطفهم، لأن الفراغ لا يجد طريقا إلى عقولهم ليعبث بها.

إذن، الفراغ ليس مجرد عدو بسيط، بل هو خصم ماكر ينتظر أي لحظة ضعف لينقض على الإنسان. لذلك، كان الانشغال بنشاط ذي قيمة ضرورة ملحة لتحقيق التوازن النفسي، قبل أن يكون وسيلة لقضاء الوقت.

السؤال: كيف نملأ فراغنا بما ينير أرواحنا ويوازن حياتنا؟

 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

دوران الأيام

في ساعاتِ الفرحِ ننسى الألَـمْ وتمتدُّ كفُّ العطاءِ لِمَن ظَلَمْ نلهو، ونزهو، وننسى الدموعْ كأنَّ الحياةَ عبيرٌ يَدُومْ نعيشُ اللحظةَ، ...